الذهبي
329
سير أعلام النبلاء
فربع رأسه ، فأتم بقية صلاته ، ثم رد عليه السلام ، فقالوا : إنا رسل الحجاج إليك ، فأجبه ، قال : ولا بد من الإجابة ؟ قالوا : لابد ، فحمد الله وأثنى عليه وقام معهم حتى انتهى إلى دير الراهب ، فقال الراهب : يا معشر الفرسان أصبتم صاحبكم ؟ قالوا : نعم . فقال : اصعدوا ، فإن اللبوة والأسد يأويان حول الدير . ففعلوا وأبى سعيد أن يدخل . فقالوا : ما نراك إلا وأنت تريد الهرب منا ، قال : لا ، ولكن لا أدخل منزل مشرك أبدا ، قالوا : فإنا لا ندعك ، فإن السباع تقتلك ، قال : لا ضير ، إن معي ربي يصرفها عني ويجعلها حرسا تحرسني ، قالوا : فأنت من الأنبياء ؟ قال : ما أنا من الأنبياء ، ولكن عبد من عبيد الله مذنب . قال الراهب : فليعطني ما أثق به على طمأنينة . فعرضوا على سعيد أن يعطي الراهب ما يريد ، قال ، إني أعطي العظيم الذي لا شريك له ، لا أبرح مكاني حتى أصبح إن شاء الله . فرضي الراهب بذلك ، فقال لهم : اصعدوا وأوتروا القسي لتنفروا السباع عن هذا العبد الصالح ، فإنه كره الدخول في الصومعة لمكانكم . فلما صعدوا وأوتروا القسي ، إذا هم بلبوة قد أقبلت ، فلما دنت من سعيد ، تحككت به وتمسحت به ، ثم ربضت قريبا منه . وأقبل الأسد يصنع كذلك . فلما رأى الراهب ذلك وأصبحوا ، نزل إليه ، فسأله عن شرائع دينه ، وسنن رسوله ، ففسر له سعيد ذلك كله ، فأسلم ، وأقبل القوم على سعيد يعتذرون إليه ويقبلون يديه ورجليه ، ويأخذون التراب الذي وطئه فيقولون : يا سعيد ، حلفنا الحجاج بالطلاق والعتاق ، إن نحن رأيناك لا ندعك حتى نشخصك إليه ، فمرنا بما شئت ، قال : امضوا لامركم ، فإني لائذ بخالقي ( 1 ) ولا راد لقضائه ، فساروا حتى بلغوا واسطا فقال سعيد : قد تحرمت بكم وصحبتكم ، ولست أشك أن أجلي قد حضر فدعوني الليلة آخذ أهبة الموت ، وأستعد لمنكر ونكير ، وأذكر عذاب القبر ، فإذا أصبحتم
--> 1 ) في الأصل " فإني لا ند لخالقي " والصواب ما أثبتناه من الحلية .